الآلوسي
134
تفسير الآلوسي
يطلقن على النشوز على ما روي عن قتادة أيضاً ، والاستثناء عليه قيل : راجع إلى الأول أيضاً ، وفي الكشف هو راجع إلى الكل لأنه إذا سقط حقها في السكنى حل الإخراج والخروج أيضاً ، وأياً مّا كان فليس في الآية حصر المبيح لفعل المنهى عنه بالاتيان بالفاحشة ، وقد بينت المبيحات في كتب الفروع فليراجعها من أراد ذلك . وقرأ ابن كثير . وأبو بكر * ( مبينة ) * بالفتح * ( وَتلْكَ ) * إشارة إلى ما ذكر من الأحكام أي تلك الأحكام الجليلة الشأن * ( حُدُودُ الله ) * التي عينها لعباده عز وجل * ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهَ ) * أي حدوده تعالى المذكورة بأن أخل بشيء منها على أن الإظهار في موضع الاضمار لتهويل أمر التعدي والاشعار بعلة الحكم في قوله تعالى : * ( فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) * أي أضر بها كما قال شيخ الإسلام ، ونقل عن بعض تفسير الظلم بتعريضها للعقاب ، وتعقبه بأنه يأباه قوله سبحانه : * ( لاَ تَدْري لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدثُ بَعْدَ ذَلكَ أَمْراً ) * فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية ؛ وقد قالوا : إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه فلا بد أن يكون الظلم عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ولا يمكنه تداركه ، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي ، وخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز أكثر الناس منه أشد واهتمامهم بدفعه أقوى . ورد بأن الضرر الدنيوي غير محقق فلا ينبغي تفسير الظلم ههنا به ، وأن قوله تعالى : * ( لا تدري ) * الخ ليس تعليلاً لما ذكر بل هو ترغيب للمحافظة على الحدود بعد الترهيب ، وفيه أنه بالترهيب أشبه منه بالترغيب ، ولعل المراد من أضر بها عرضها للضرر ، فالظلم هو ذلك التعريض ولا محذور في تفسيره به فيما يظهر ، وجملة الترجي في موضع النصب ب * ( - لا تدري ) * ، وعد أبو حيان * ( لعل ) * من المعلقات ، والخطاب في * ( لا تدري ) * للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي صلى الله عليه وسلم كما قيل ، فالمعنى من يتعدى حدود الله تعالى فقد عرض نفسه للضرر فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر * ( لعل الله ) * تعالى يحدث في قلبك * ( بعد ذلك ) * الذي فعلت من التعدي * ( أمراً ) * يقتضي خلاف ما فعلته فيكون بدل بغضها محبة وبدل الاعراض عنها إقبالاً إليها ، ولا يتسنى تلا فيه برجعة أو استئناف نكاح . * ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَوْمِ الاَْخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ) * . * ( فَإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ) * شارفن آخر عدتهن . * ( فامْسكُوهُنَّ ) * فراجعوهن * ( بمَعْرُوف ) * بحسن معاشرة وإنفاق مناسب للحال من الجانبين . * ( أوْ فَارقُوهُنَّ بمَعْرُوف ) * بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن يراجعها ثم يطلقها تطويلاً للعدة . * ( وَأَشْهدُوا ذَوَىْ عَدْل مِّنْكُمْ ) * عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبريا عن الريبة وقطعاً للنزاع ، وهذا أمر ندب كما في قوله تعالى : * ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) * ، وقال الشافعي في القديم : إنه للوجوب في الرجعة ، وزعم الطبرسي أن الظاهر أنه أمر بالاشهاد على الطلاق وأنه مروى عن أئمة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين . وأنه للوجوب وشرط في صحة الطلاق * ( وَأقيمُوا الشَّهَادَةَ ) * أي أيها الشهود عند الحاجة * ( لله ) * خالصاً لوجهه تعالى ، وفي الآية دليل على بطلان قول من قال : إنه إذا تعاطف أمران لمأمورين يلزم ذكر النداء أو يقبح تركه نحو أضرب يا زيد . وقم يا عمرو ، ومن خص جواز الترك بلا قبح باختلافهما كما في قوله تعالى : * ( يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ) * ( يوسف : 29 ) فإن المؤمور بقوله تعالى :